محمد أبو زهرة
1641
زهرة التفاسير
أصل فرضية المهر بما يفيد أنه عطاء ، فقد قال تعالى : وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ( 4 ) [ النساء ] ! والجواب عن ذلك أن الآيات التي بينت أصل الوجوب تبين القصد من الشرعية ، وهو كونه هدية واجبة لبيان شرف العلاقة بين الرجل والمرأة ، وللمعاني التي شرع من أجلها المهر ، أما الآيات التي سمّت أجرا « 1 » فهي لبيان الأداء بعد أن تأخر عن ميقاته ، فلتأكيد الأداء سمى أجرا ، وأصبح المؤدّى غير جدير بأن يسمى معطيا أو ناحلا أو مانحا . وهذا النص قد تعلق به بعض المفسرين الذين لم يفهموا معنى العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة ، فادعوا أنه يبيح المتعة ، وهي عقد بين الرجل والمرأة يستمتع بها مدة معلومة في نظير مهر معلوم ، أو في نظير أجرة معلومة ، ولو تخلفت المرأة في بعض المدة ولم تسلم نفسها نقص من مهرها ، أو بالأحرى من أجرتها والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بعد من قالوه عن الهداية ؛ لأن الكلام كله في عقد الزواج ، فسابقه ولا حقه في عقد الزواج ، والمتعة حتى على كلامهم لا تسمى عقد نكاح أبدا ، وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رواها مسلم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه أباح المتعة في غزوات ثم نسخها ، وبأن عبد الله بن عباس كان يبيحها في الغزوات « 2 » ، وهذا الاستدلال باطل ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم نسخها ، فكان عليهم عند تعلقهم برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها ، وجملتها تؤدى إلى النسخ لا إلى البقاء ، وإذا قالوا : إنا نتفق معكم على الإباحة ونخالفكم في النسخ فنأخذ المجمع عليه ونترك غيره ، قلنا لهم : إن النصوص التي أثبتت الإباحة هي التي أثبتت النسخ ، وما اتفقنا معكم على الإباحة ، لأننا نقرر نسخ الإباحة ، على أننا نقول إن ترك النبي صلى اللّه عليه وسلم المتعة لهم قبل الأمر الجازم بالمنع ليس من قبيل الإباحة ، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإيمان ، وتترك عادات الجاهلية ،
--> ( 1 ) أي سمت المهر أجرا . ( 2 ) عن الرّبيع بن سبرة الجهنيّ عن أبيه أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن المتعة وقال : « ألا إنّها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه » . [ رواه مسلم : النكاح - نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ ( 1406 ) ] .